تتابع الهيئة اللبنانية للعلوم التربوية عن كثب النقاش الدائر بشأن الامتحانات الرسمية في لبنان، وتعتبره، من حيث المبدأ، نقاشًا مشروعًا وصحيًا، نظرًا إلى الأهمية التربوية والوطنية الكبرى لهذه الامتحانات، وإلى ما يترتب على القرارات المتعلقة بها من آثار مباشرة على مسارات الطلاب الأكاديمية، وآفاقهم المستقبلية، ورفاههم النفسي. كما وترتبط هذه الامتحانات بمصداقية الشهادة الوطنية، وثقة المجتمعين المحلي والدولي بالنظام التربوي اللبناني، ومسؤولية الدولة عن ضمان استمرارية التعليم، وتحقيق الإنصاف فيه، والمحافظة على جودته، في الظروف العادية والاستثنائية على حد سواء.
ويجري هذا النقاش حاليًا بشأن المقاربة التي اعتمدتها وزارة التربية والتعليم العالي في ما يتعلق بتنظيم الامتحانات الرسمية وإجرائها، وذلك تحت وطأة واقع بالغ الصعوبة والتعقيد فرضه العدوان الإسرائيلي المستمر على لبنان. وقد انعكس هذا الواقع على مسار النقاش ونبرته؛ إذ اتسمت بعض المواقف بالموضوعية والمسؤولية، في حين ابتعد جانب كبير منها عن مقتضيات النقاش الموضوعي، واتجه نحو الغلو والحدة والشخصنة.
إزاء ما تقدّم، تؤكد الهيئة حق جميع المعنيين، من طلاب وأهل ومربّين وعاملين في الشأن التربوي والعام وباحثين مختصين وسياسيين وغيرهم، في المشاركة في هذا النقاش، من خلال التعبير البنّاء عن آرائهم، والتنبيه إلى التحديات، ومساءلة القرارات العامة، واقتراح البدائل؛ ذلك أن الامتحانات الرسمية مسالة عامة ذات أبعاد تربوية ووطنية واسعة. فالاختلاف مع السياسات العامة أمر مشروع، وينسجم مع حريتي الرأي والتعبير اللتين يكفلهما الدستور. بيد أننا نشدد، في هذا السياق، على أن مشروعية النقد لا تسوّغ جميع أشكال التعبير العام؛ إذ يتعيّن التمييز بين النقد الهادف والمسؤول للسياسات والقرارات والإجراءات العامة، من جهة، وبين التجريح الشخصي، والتهكّم، والتشهير، والترهيب، والطعن في الكفاءة والنزاهة من خلال اتهامات غير مستندة الى ادلة، من جهة أخرى.
وعليه، تعرب الهيئة عن رفضها الواضح والحازم للخطاب العام الذي يستهدف شخص وزيرة التربية والتعليم العالي، الدكتورة ريما كرامي، أو ينتقص من كرامتها الشخصية والمهنية، أو ينسب إليها دوافع غير سليمة ، أو يحمّلها مسؤولية شخصية عما وقع أو قد يقع من أذى ومعاناة بشرية، من دون أساس منطقي أو قانوني. إن مثل هذا الخطاب لا يعزّز المساءلة العامة، بل يضعف النقاش العقلاني، ويعمّق الاستقطاب، ويصرف الانتباه عن القضية التربوية الجوهرية التي تستدعي معالجة عاجلة.
وترى الهيئة أن خطورة الأزمة الراهنة تستدعي تآزرًا تربويًا ووطنيًا يستلهم القيم الأخلاقية، وفي مقدمتها القيم الناظمة للتواصل والحوار العام، بما يحمي النقاش من الشخصنة والتحريض، ويحول دون جنوح الآراء إلى المغالاة أو التجريح، ويعزّز فرص التعاون البنّاء والفاعل، ولا سيما في هذه الظروف المصيرية التي يمر بها الوطن.
كما تدعم الهيئة جميع الجهود المسؤولة التي تبذلها وزارة التربية والتعليم العالي، في إطار صلاحياتها القانونية والتنظيمية وبالتشاور مع مختلف الجهات المعنية، للتوصل إلى حل عادل وآمن وسليم تربويًا، يوازن بين مصلحة الطلاب وسلامتهم ومدى جهوزيتهم، من جهة، وضمان جودة التعليم وصدقية الشهادة الوطنية في لبنان، من جهة أخرى.