بقلم: د. جنان كرامه شيّا
تحرير: د. عمر القيسي
المقدمة
في منطقة تتزايد فيها صور العنف والظلم والطائفية لا يقف الطلاب موقف المتفرج السلبي، بل يستوعبون هذه الحقائق من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والروايات المتناقلة بين الأجيال ولغة الحياة اليومية المجبولة بالخوف واللوم. وحين تلتزم المدارس الصمت إزاء هذا العنف، فإنها تُخاطر بأن تتحوّل إلى مواقع للتواطؤ في تطبيع اللاإنسانية، بما يفضي إلى تآكل الوعي الأخلاقي الجمعي. هنا تبرز الحاجة الملحّة لأن يُوجّه البحث التربوي اهتمامه نحو دراسة هذا الصمت التربوي وآثاره، واستكشاف الكيفية التي يمكن من خلالها للمناهج، والسياسات، والممارسات التعليمية أن تُسهم في بناء مناعة أخلاقية ومدنية لدى المتعلمين. فالبحث العلمي في التربية لا يكتفي بتشخيص الظواهر، بل يُعدّ أداة لفهم آليات التطبيع مع العنف، وتحليل تمثّلات الطلاب له، واقتراح مقاربات تعليمية قادرة على تحويل المدرسة من مساحة مراقبة إلى فضاء للمساءلة والإنسانية الفاعلة.
خطر الصمت في ضوء أحداث تستدعي التفاعل
المؤسسات التعليمية ليست محايدة أبدا. كما يؤكد فريري (1970) وأندريوتي وآخرون (2018)، فإن التعليم إما أن يكون ممارسة للتحرر أو وسيلة لإعادة إنتاج الهيمنة. فالصمت في مواجهة الفظائع لا يُعبّر عن حياد، بل هو خيار تربوي ذو دلالة أخلاقية. وحين تتجنب المدارس الاعتراف بالواقع العنيف الذي يعيشه الأطفال، فإنها تساهم في ترسيخ فكرة أن هذه الظروف طبيعية وغير قابلة للمساءلة. وتتجلى خطورة هذا الصمت أكثر حين نضع في الاعتبار مآسي الحاضر: ففي لبنان استهدفت الاعتداءات الإسرائيلية في أيلول 2024 الجنوب وبيروت وأجزاء أخرى من البلاد، ما خلّف ضحايا وأضرارا جسيمة، وفي غزة بفلسطين يموت الأطفال جوعا تحت الحصار الإسرائيلي (رويترز، 2025)، وفي السويداء في سوريا قُتل مئات المدنيين في تموز 2025 في هجمات انتقامية قائمة على الهوية (الغارديان، 2025). هذه ليست أحداثا جيوسياسية باردة، بل مآس إنسانية يعيشها الطلاب لحظة بلحظة عبر الشاشات وأحاديث المنازل، ما يجعل تجاهلها إسقاطا لدور المدارس كمؤسسات للتنشئة الأخلاقية والمدنية.
أظهرت دراسات عدة أن الصمت التربوي لا يؤدي فقط إلى تغييب القضايا العاجلة، بل يعيد أيضا إنتاج الانقسامات. فقد بيّنت شعيب (2016) أنّ التربية المدنية في لبنان ما تزال مُجزّأة ومفرّغة من الطابع السياسي، وتفتقر إلى أنشطة قادرة على تنمية وعي نقدي متكامل. وبالمثل، أوضح عكر (2007، 2012) أنّ المناهج المدنية “اللاسياسية” تُعيد إنتاج الانقسامات الطائفية عبر التركيز على قيم مجردة وشعارات الوحدة الوطنية، مع إغفال التوترات المجتمعية الراهنة وانتهاكات حقوق الإنسان والصراعات الإقليمية، مما يحدّ من قدرة الطلاب على مساءلة الظلم أو تحدّيه. ويؤكد ناتيل (2021) أنّ هذا الفراغ يترك الشباب في فلسطين وسوريا ولبنان أكثر اعتمادًا على الفضاءات غير الرسمية لتطوير قدراتهم المدنية، حيث يصبحون عرضة لتفسيرات طائفية أو موروثة أو موجّهة إعلاميا للأزمات الإنسانية.
الاستراتيجيات التربوية: الممارسة والسياسة والبنية التحتية
لمواجهة هذا الواقع، لا يكفي توصيف المخاطر وتشخيص مواطن الضعف، بل تبرز الحاجة إلى استراتيجيات تربوية عملية تعالج الصدمات وتبني الوعي النقدي وتعيد الاعتبار لوظيفة المدرسة كمؤسسة للتنشئة الأخلاقية والمدنية.
- التربية المدنية المراعية للصدمات
يرى درايدن-بيترسون (2017) أن التربية المدنية في المجتمعات المتأثرة بالنزاعات ينبغي أن تتجاوز إعداد الطلاب كناخبين مستقبليين لتُشركهم كفاعلين أخلاقيين يتعاملون مع آثار الصدمة والتشرذم الاجتماعي. ويُسهم دمج السرد القصصي والكتابة التأملية والحوار القائم على القيم الأخلاقية في تمكين الطلاب من معالجة الأذى وبناء الفعل المدني. لذلك ينبغي أن تُدرج الأطر الوطنية للمناهج مقاربات تراعي الصدمات، وأن تُربط ببرامج تدريبية للمعلمين قبل الخدمة وأثناءها (الشبكة المشتركة للتعليم في حالات الطوارئ، 2010). وللتقييم، يمكن اعتماد أدوات مثل مقياس مرونة الأطفال والشباب (CYRM-12) ومحافظ الكتابة التأملية ومؤشرات المشاركة المدنية.
- محو الأمية الإعلامية النقدية
يُعرّف كيلنر وشار (2007) محو الأمية الإعلامية النقدية باعتباره أداة أساسية لمقاومة التلاعب الأيديولوجي. وفي بيئات تُصاغ فيها الأخبار وفق مصالح سياسية، ينبغي للطلاب تعلّم كيفية مساءلة الروايات الإعلامية. ويتم ذلك عبر التكامل المنهجي في مناهج اللغة والدراسات الاجتماعية من خلال تحليل الخطاب ومقارنة المصادر، مدعوما ببنية تحتية تشمل مختبرات رقمية وأرشيفات إعلامية متنوعة، إضافة إلى برامج تطوير مهني للمعلمين. ويمكن تقييم الأثر عبر اختبارات قبل/بعد لتحليل المصداقية ومحاكاة التحقق من الأخبار وتسجيلات التحليل النقدي.
- بيداغوجيا الشهود
يدعو زيمبيلاس (2014) إلى مقاربات تربوية تقوم على استحضار الشهادات والسرديات المضادة. فلا بد للطلاب من مواجهة حقائق الحرب والنزوح والصمود والتفاعل معها. ويُبرز كابل (2024) أنّ اعتماد “بيداغوجيا الشهود” في مواجهة العنف الإبادي، كما في غزة، يمكن أن يُنمّي الوعي الأخلاقي والتفكير النقدي وروح التضامن. هذا النهج يضع شهادات المجتمعات المتضررة في مركز العملية التعليمية ويحوّل الطلاب من متلقين سلبيين إلى فاعلين أخلاقيين.
- ثقافات مدرسية ترميمية
يوضح زير (2002) أن نماذج العدالة الترميمية تُسهم في إعادة بناء العلاقات التي هدمها العنف أو الإقصاء، وذلك من خلال ممارسات مثل الدوائر الترميمية والوساطة بين الأقران وأنماط القيادة الدامجة على مستوى المدرسة، مما يعزز شعور الانتماء. وتتمثل الحاجة الهيكلية في تخصيص مساحات آمنة للحوار ودعم الصحة النفسية ووضع مواثيق سياسات عادلة ودامجة، فيما يمكن قياس الأثر من خلال استبيانات مناخ المدرسة (مثل أدوات CASEL) وانخفاض الإحالات السلوكية وتطوير آليات مساءلة يقودها الأقران.
- الانخراط المجتمعي والأسري
يرى إبستين (2001) وبرونفنبرنر (1979) أنّ المدارس تكون أكثر فاعلية حين تعمل في إطار تكاملي مع الأسر والمجتمعات. وفي مجتمعات يسودها الانقسام، ينبغي للمدارس أن تُهيّئ فضاءات للتعافي المدني تشمل الطلاب وأسرهم، عبر منتديات للرؤية المشتركة وفعاليات للسرد القصصي بين الأجيال ولجان تخطيط مشتركة، مع تقييمات نوعية ومشاركة مجتمعية واسعة.
- تمكين الوكالة الطلابية: الشباب كفاعلين أخلاقيين ومدنيين
مع أن المؤسسات التعليمية والمربين مسؤولون عن توفير بيئة تعليمية إنسانية، فإن الطلاب ليسوا متلقين سلبيين. ففي لبنان وفلسطين وسوريا، أظهر الشباب قدرة استثنائية على مقاومة نزع الإنسانية والتشكيك في الروايات الموروثة وبناء التضامن من خلال الحوار والفن والعمل المدني. وقد بيّنت الدراسات أن الفاعلية (الوكالة) الشبابية تتجلى غالبا في فضاءات التعلم غير الرسمي والنشاط الرقمي والمبادرات المجتمعية، حتى في ظل صمت المدارس الرسمية أو تواطؤها (ناتيل، 2021). لذا ينبغي إتاحة فضاءات منظمة لصوت الطالب، مثل البرلمانات الطلابية والمنتديات النقدية وورش السرد القصصي والتصميم المشترك للمناهج، إضافة إلى بنى تحتية، كبرامج الإرشاد بين الأقران واللجان الطلابية وآليات استشارة مؤسسية لصوت الشباب.
من التأمل إلى المناصرة: قوة التوثيق والبحث الإجرائي
لتجاوز الممارسات المجزأة، ينبغي للمدارس أن تتبنى ثقافة مؤسسية قائمة على التوثيق والبحث التأملي. فالعمل بالبحث الإجرائي يتيح للمعلمين اختبار وتحسين الممارسات التربوية المرتكزة على العدالة وإنتاج أدلة معرفية تُسند الدعوة إلى الإصلاح وتُعزز جهود المناصرة. عندما يوثّق المعلمون وقادة المدارس خبراتهم عبر اليوميات التأملية ومبادرات صوت الطالب والحوار بين الأقران والدراسات الإثنوغرافية الصفية، فإنهم يعززون وكالتهم المهنية ويؤكدون على دور الطلاب كشركاء في إنتاج المعنى المدني.
وفي السياقات التي تُهمّش فيها أصوات الشباب أو تُسيّس، تستطيع المدارس أن تقدّم نموذجا لمستقبل بديل، حيث يُنظر إلى الشباب ليس فقط بوصفهم بحاجة إلى حماية، بل بوصفهم قادرين على قيادة التغيير. وفي بيئات تتنازع فيها الحقيقة ويضيق فيها الفضاء المدني، يصبح التوثيق أكثر من مجرد ممارسة أكاديمية، بل فعلًا سياسيًا يقول: “لقد رأينا، ناقشنا، وتغيّرنا”.
الخاتمة
إن صمت المدارس في مواجهة العنف واللاإنسانية ليس خيارا بريئا، بل هو مساهمة في تطبيع واقع مأزوم. في المقابل، يمكن للتعليم أن يكون أداة مقاومة وبناء إذا اعتمد استراتيجيات تربوية تراعي الصدمات وتُنمّي محو الأمية الإعلامية النقدية وتُعيد الاعتبار للشهادة والسرديات المضادة وتؤسس لثقافات مدرسية ترميمية تُشرك الطلاب والأسر والمجتمعات في عملية التغيير. عندها فقط تتحول المدرسة من فضاء للحياد السلبي إلى موقع لإعادة بناء الوعي الأخلاقي والإنساني وترسيخ قيم التضامن والمساءلة المدنية.
للاطلاع على النسخة الإنجليزية من هذا المقال مع القائمة الكاملة بالمراجع، يُرجى زيارة الرابط: https://www.linkedin.com/pulse/when-silence-hurts-how-schools-must-confront-jinan-karameh-shaya-phd-hoqif/?trackingId=DDsGKhntTe2SI5xlgyq8kw%3D%3D