د. ڤيولا مخزوم*
المقدّمة
يعيش لبنان اليوم على وقع أزمات متشابكة تطال كل تفاصيل الحياة اليومية، من الاقتصاد المتداعي إلى الانقسام الاجتماعي والضغوط النفسية التي أثقلت كاهل الأفراد. ولم تكن المؤسّسات التربوية بمنأى عن هذا المشهد، بل كانت من أكثر القطاعات تأثّرًا، إذ انعكست هذه التحديات على المتعلّمين والمعلّمين وعلى البيئة الأكاديمية والبحثية في آنٍ معًا.
في خضمّ هذا الواقع، يتقدّم البحث التربوي إلى الواجهة لا باعتباره ترفًا فكريًا أو نشاطًا أكاديميًا محدود الأثر، بل كضرورة حيوية لفهم التحوّلات المتسارعة التي تفرضها اللحظة التاريخية. فالباحث التربوي في لبنان يجد نفسه اليوم أمام مسؤولية مضاعفة: أن يقرأ الواقع المتقلّب بعينٍ ناقدة، وأن يطوّع أدواته المنهجية للإجابة عن أسئلة تتجاوز حدود التقليد الأكاديمي لتلامس نبض المجتمع.
بين إلحاح الواقع وقيود المنهج
يعيش الباحث التربوي في لبنان واقعًا مركّبًا تختلط فيه التحديات الموضوعية بالقيود المؤسّسية. فمن جهة، تفرض الضغوط الاقتصادية الخانقة نفسها على الجامعات فتحدّ من قدرتها على تمويل المشاريع البحثية النوعية. ومن جهة أخرى، تعيد البيئة الاجتماعية المأزومة صياغة حاجات المتعلمين، ما يجعل البحث أكثر إلحاحًا لفهم تحوّلات القيم والسلوكيات.
يضاف إلى ذلك الضغط النفسي الذي يعيشه المعلمون والطلاب نتيجة الأزمات المتواصلة، الأمر الذي يجعل موضوعات مثل الصمود النفسي، العدالة التربوية، وتكافؤ الفرص من أبرز أولويات البحث التربوي. وهكذا، يتحوّل البحث إلى مرآة للواقع، لكنه في الوقت ذاته يصطدم بقيود تحدّ من قدرته على الإحاطة الشاملة بما يجري (World Bank., 2018, April 30). وهنا يقف الباحث التربوي على خط تماس بين سؤال الواقع المُلِحّ وإمكانات المنهج المحدودة، ما يجعله يطرح أسئلة جوهرية ما زالت تبحث عن إجابات:
- كيف يتعامل المعلّمون مع الانهيار الاقتصادي وتراجع رواتبهم؟
- ما أثر الهجرة المتزايدة على البيئة المدرسية والجامعية؟
- وكيف يمكن تعزيز صمود الطلاب نفسيًا وأكاديميًا؟
غير أنّ الإجابة عن هذه الأسئلة تصطدم بضعف الوصول إلى البيانات الدقيقة نتيجة هشاشة المؤسسات، وصعوبة إجراء الدراسات الميدانية الواسعة في ظلّ التحديات الأمنية والاقتصادية، فضلًا عن هيمنة النماذج الغربية في البحث التي تحدّ من تطوير مقاربات ملائمة للسياق اللبناني.
واقع البحث التربوي وتحديات التمويل
تواجه الجامعات اللبنانية أزمة مزمنة تتمثّل في ندرة التمويل وضعف الموارد، ما ينعكس سلبًا على دعم البحوث التربوية (World Bank, 2016, November 8). فيعتمد الباحث في الغالب على جهده الفردي، وتفتقر المؤسسات إلى الإمكانات التي تسمح بإجراء دراسات موسّعة أو تمويل مشاريع طموحة. كما يُضاف إلى ذلك ضعف الرقمنة وتشتّت المصادر وغياب قاعدة بيانات تربوية وطنية منظَّمة، ما يعرقل إنتاج معرفة دقيقة وموثوقة.
ويُضاف إلى هذه التحديات ضعف التشبيك البحثي بين الباحثين والمؤسّسات الأكاديمية، الأمر الذي يقلّل من فرص التعاون ويحدّ من إنتاج معرفة جماعية يمكن أن تسهم في تطوير السياسات وتحسين جودة التعليم (UNESCO, 2023, November 17). ويبرز أيضًا نزيف الكفاءات الأكاديمية جرّاء الهجرة المستمرة، التي تحرم الجامعات من خبرات قيّمة كان يمكن أن تغني الإنتاج العلمي وتدعم تطوير المناهج والبحث التربوي المحلي. إن هذا الواقع يستدعي وضع استراتيجيات وطنية لتمكين الباحثين والحفاظ على الخبرات الأكاديمية لضمان استدامة البحث العلمي في لبنان.
بين التجربة والطموح
شهد العقدان الأخيران لحظات مفصلية في مسار البحث التربوي اللبناني. فبعد جائحة كورونا، برزت دراسات تناولت التعلم عن بُعد، لكنها اصطدمت بغياب البنية التحتية الرقمية وضعف الجاهزية التقنية. كذلك، مع الانهيار المالي منذ عام 2019 (Abdul-Hamid, & Yassine, 2020). ركّزت البحوث على هجرة الكفاءات وتأثيرها في نوعية التعليم، غير أنّ محدودية التمويل والأدوات المنهجية جعلت هذه الجهود متفرقة وغير مترابطة ضمن مشروع وطني شامل. وفي تجارب ميدانية حديثة، حاول بعض الباحثين إدخال الذكاء الاصطناعي كأداة لتحليل بيانات التعليم، إلا أن ضعف التجهيزات التقنية وقلة الكفاءات المدرَّبة حالا دون استثمار فعّال لهذه التقنيات، ما يكشف التناقض بين الطموح الأكاديمي والواقع المأزوم.
نحو بحث تربوي متجذر في الواقع
لكي يستعيد البحث التربوي فاعليته، يجب أن تنبع أسئلته من حاجات المجتمع اللبناني لا من موضوعات مستوردة من الخارج. فصياغة الأسئلة بما يتوافق مع الواقع المحلي تتيح للباحثين التعامل مع القضايا الأكثر إلحاحًا، مثل العدالة في التعليم، ودور المدرسة في تعزيز التماسك الاجتماعي، وسبل مواجهة الأزمات المستمرة. هذه المقاربة تجعل البحث أكثر صلة بالمجتمع وأكثر قدرة على تقديم حلول عملية.
كذلك، يُعدّ الدمج بين المناهج الكمية والنوعية ضرورة في بيئة معقّدة كلبنان، إذ لا تكفي الأرقام وحدها ولا السرديات الوصفية فقط (مخزوم، 2024). فالدراسات الكمية يمكن أن تقيس أثر الأزمات في التحصيل، فيما تتيح الدراسات النوعية فهم التجربة الإنسانية خلف الأرقام. الجمع بين المقاربتين يوفر صورة متكاملة للواقع التربوي، ويمنح صانعي القرار قاعدة بيانات علمية أكثر شمولًا.
من جهة أخرى، فإن تمكين الباحثين الشباب يمثل ركيزة أساسية لتطوير البحث التربوي. يمكن تحقيق ذلك من خلال توفير منح صغيرة، وتنظيم ورش تدريبية، وإشراكهم في شبكات بحثية محلية وإقليمية. هذه الخطوة تعزز بناء قدرات وطنية مستدامة وتدعم إنتاج أبحاث نوعية تواكب حاجات التعليم في لبنان.
رؤية مستقبلية
إنّ تطوير البحث التربوي يحتاج الى تعزيز التشبيك بين الجامعات والمؤسّسات وربط الباحثين اللبنانيين بالمراكز البحثية الدولية، بما يسهم في توسيع دائرة التعاون وتبادل الخبرات ورفع جودة البحث العلمي المحلي. كما أن إحياء النشر باللغة العربية عبر تأسيس مجلات محكّمة تُعطي الأولوية للأبحاث التربوية العربية، خطوة ضرورية لتوسيع دائرة النقاش العلمي وزيادة تأثير البحث في صياغة السياسات التعليمية.
ويمكن أيضًا استثمار الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات والتنبؤ بالاتجاهات التعليمية المستقبلية، شرط أن يُرافقه بناء للقدرات الوطنية في هذا المجال لضمان الاستخدام الأخلاقي والمستدام لهذه التقنيات في البحث التربوي.
ختامًا، يقف الباحث التربوي في لبنان اليوم أمام تحدٍّ مزدوج إما أن يظلّ وفيًا لمعايير البحث الأكاديمي الصارمة، وأن يستجيب في الوقت ذاته لنداء الواقع المُلِحّ. ورغم صعوبة المهمة، فإنها ليست مستحيلة إذا ما توفّرت إرادة مؤسّسية ورؤية وطنية تعي دور البحث في صياغة المستقبل.
وعليه، يبقى البحث التربوي فعل مقاومة معرفية يواجه التفكك الاجتماعي والانهيار المؤسّسي بأدوات العلم، ويؤكد أن التربية ليست قطاعًا خدميًا فحسب، بل رافعة لإعادة بناء المجتمع.فأي أفق للبحث التربوي في لبنان لا يمكن أن ينفصل عن هموم الإنسان اللبناني، ولا عن طموحه في العيش بكرامة، ولا عن التزام الباحث بأن يكون صوت العقل والمعرفة وسط صخب الأزمات.
قائمة المراجع
- مخزوم، فيولا (2024). قيادة التحول الرقمي في الفصول الدراسيّة: دور المعلم في عصر التكنولوجيا. المانيا: برلين، المركز الديمقراطي العربي.
- Abdul-Hamid, H., & Yassine, M. (2020). Political economy of education in Lebanon: Research for results program. World Bank Publications.
- World Bank. (2016, November 8). Research for Improved Quality, Access and Efficiency of Education Services in Lebanon. https://www.worldbank.org/en/news/press-release/2016/11/08/research-for-improved-quality-access-and-efficiency-of-education-services-in-lebanon
- World Bank. (2018, April 30). Research for Improved Quality, Access and Efficiency of Education Services in Lebanon. https://www.worldbank.org/en/news/press-release/2018/04/30/research-for-improved-quality-access-and-efficiency-of-education-services-in-lebanon
- UNESCO. (2023, November 17). Strengthening Lebanon’s Education Reform through Strategic Partnerships. https://www.unesco.org/en/articles/strengthening-lebanons-education-reform-through-strategic-partnerships
*الدكتورة ڤيولا مخزوم، أستاذة في الجامعة الإسلامية في لبنان، مديرة المركز الديمقراطي العربي في لبنان، ورئيسة تحرير مجلة “مؤشر للدراسات الاستطلاعية”. حائزة على دكتوراه في العلوم التربوية من جامعة القديس يوسف في بيروت، بالإضافة إلى ثلاث شهادات ماجستير في الإدارة المالية، وإدارة الأعمال، والإدارة التربوية. ترأست مؤتمرات علمية دولية في ألمانيا، تركيا، ولبنان، ونالت عدة جوائز عالمية أبرزها: جائزة أفضل باحث أكاديمي لعام 2020، وسام صنّاع التغيير لعام 2021، وجائزة المعلم العالمي Global Teacher Award لعام 2023. أصدرت مؤخرًا كتابًا إلكترونيًا بعنوان “قيادة التحول الرقمي في الفصول الدراسية”.