
د. محمد تيسير الزعبي*
يُبدي الكثير إعجابهم باستطاعة أدوات الذكاء الاصطناعي تنفيذ المهمات المتنوعة. وصار التفاخر بمهارات الأفراد في الاستفادة من هذه الأدوات ملحوظا، بل وأصبح لدينا دورات تدريبية لتطوير مثل هذه المهارات وصقلها.
يمكن لنا أن نتفهّم بعض المبرّرات التي تدفعنا لطلب المساعدة من هذه الأدوات في تنفيذ مهمّات يصعب علينا تنفيذها، أو تتطلّب مدة زمنية طويلة غير متوفّرة لنا، أو أن تكون، على سبيل المثال، مهمّة سطحية ليس لها قيمة إضافية نوعية، مثل التلخيص، أو توفير الجهد والمال في مهمّات مثل الترجمة. لكن اللافت للنظر أن تنوب هذه الأدوات نيابة تامة عن الإنسان، إذ صار يبرّر لنفسه اللجوء إليها، ويسوّغه ويدافع عنه. وبعض المتحمّسين لهذه الأدوات أخذوا يطلقون الاتهامات بحقّ الداعين إلى تقنين التعامل مع الذكاء الاصطناعي وضبطه بحدود واضحة تكفل علوّ الجانب الإنساني والإبداعي.
الانتشار الهائل لأدوات الذكاء الاصطناعي يدفعنا إلى التأمّل في الفوائد المكتسبة منها ومقارنتها بالأضرار التي ستنشأ لا محالة من الاعتماد الكلّي عليها. وهذا تماما ما قامت به المُعلّمة شانيا بوند التي قررت خوض التجربة بنفسها قبل أن تصدر حكمها على توظيف هذه الأدوات في الصف. ففي مقال مهم بعنوان “السنة التي حظرتُ فيها الذكاء الاصطناعي” (What Happened the Year I banned AI)، دوّنت شانيا بوند، وهي مُعلمّة اللغة الإنجليزية في ولاية تكساس الأمريكية، تجربتها التي استمرت لعاميين دراسيين. في العام الدراسي الأول، أدخلت أدوات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته إلى حصة الكتابة في صفها. وفي العام الثاني عمدت إلى منع الذكاء الاصطناعي بشكل كامل. ما يجعل تجربتها مُلهمة هو أنها تحفّز على التفكير والتأمّل قبل إصدار أي حكم على أي فكرة في حياتنا. وهذا يشمل الأفكار المتعلقة بتجربة الأدوات التكنولوجية قبل استعمالها وتوظيفها، إذ لا يصح الاعتماد دائما على ما يقوله الآخرون بناء على تجاربهم الخاصة أو محاولاتهم لتعميمها، فما يناسب شخصا قد لا يناسب آخر.
بعد عام كامل من منع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في حصة الكتابة، خرجت شانيا بعدد من الأفكار الجديرة بالنقاش:
- تعدّ شانيا هذا القرار الأهم في مسيرتها التعليمية. وما يجعل قولها منطقيا إلى حد كبير هو النتائج التي ترتبت عليه، والفارق الواضح في المخرجات بين عامين استُخدمت فيهما أدوات تدريس مختلفة. وترى شانيا أن هذا الفارق لا يتعارض مع حماستها لتوظيف الأدوات التكنولوجية في الصفوف، بل يتيح لها تقييم التجربة بموضوعية، إذ مكّنها من الحصول على نتائج متباينة تثبت أهمية امتلاك أدلة قبل إصدار أي حكم صادق وواقعي حول جدوى هذه الأدوات في التدريس.
- هذا القرار نال دعم قيادة المدرسة والأهل، ووضعت شانيا قائمة قوانين بحيث من يثبت استخدامه لأدوات الذكاء الاصطناعي في حصة الكتابة سيُحرَم من العلامة المخصصة لتلك المهمة، وسيتكفّل قسم التكنولوجيا في المدرسة بالتأكد من هذه المسألة.
صحيح أن الطلبة شعروا وكأن الزمن يعود بهم إلى الوراء، إلا أن شانيا طبّقت القوانين بأعلى درجات الجودة والعدالة والنزاهة، وعقدت لهم جلسة لإقناعهم بفكرتها وضرورة التزامهم بها، ومساعدتهم في إنجاحها، وأن الحصول على أفكار الطلبة الشخصية وآرائهم الذاتية له أولوية عندها تتقدّم على براعتهم في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.
- قدّمت شانيا لطلبتها مفكّرات كتابة متشابهة، ومنحتهم حرية في كتابة ما يرونه ويؤمنون به داخل الحصة فقط، وتابعت تطوّر كتاباتهم في كل حصة، وقدّمت لكل واحد منهم التغذية الراجعة الملائمة، وفي نهاية الفصل الدراسي سألتهم عن أكثر أمر مختلف مرّوا به، فلم يتردد بعض الطلبة في إخبارها بأنّ الأمر الأكثر أهمية لديه هو مفكرة الكتابة.
- عرضت نماذج لكتابات طلبتها الشخصية وأخرى كتبوها باستخدام الذكاء الاصطناعي ليعرفوا بأنفسهم الفروقات النوعية بينها، وإذا راودها شك باستخدام أحد الطلبة لجملة من الذكاء الاصطناعي كانت تسأله: لماذا اخترت هذه الجملة بالتحديد؟
- تطوّر مهم سجّلته شانيا، وهو أن أسلوب الطلبة تحسّن من ناحية التحليل، فضلا عن توظيف أنماط بلاغية في الكتابة صار الطلبة يفضلّونها مقارنة بالكتابة السطحية المباشرة التي هي سمة من سمات أدوات الذكاء الاصطناعي.
- ما ستحسّنه شانيا في المستقبل هو مساعدة الطلبة على صياغة الآراء بعمق، واستطاعة الطلبة الدفاع عن آرائهم، والتفكير في اختيار المفردات المناسبة للتعبير عن الرأي والفكرة، وتدعيمها بمراجع ومصادر.
- تُبيّن شانيا أن هناك أسبابا عديدة تدفعها إلى الابتعاد عن توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في حصص الكتابة، ولا تستثني من بينها الآثار البيئية العامة لتلك الأدوات. لكنها تؤكد أن العامل الأهم هو صوت الطالب، إذ من الضروري أن يتقن الطلبة مهارات الكتابة والتعبير عن الرأي بمفردات واضحة ودقيقة تنقل وجهات نظرهم الحقيقية، ولا سيّما أن بعضهم مرّ بتجارب من القمع والتهميش حرمتهم من التعبير عن آرائهم.
ترى شانيا في الابتعاد عن توظيف أدوات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بُعدا إنسانيا يتمثّل في أهمية حصول الطلبة على الدعم الكافي للتعلّم، وضرورة وصولهم إلى مستوى متقدّم من إتقان المهارات الأساسية التي تمكّنهم من التعلّم الذاتي. كما تؤكد على أهمية وضع حدود واضحة لاستخدام الطلبة لهذه الأدوات، إذ إن الإفراط في الاعتماد عليها في إنجاز الأنشطة يحول دون تطوير مهاراتهم. وتشير إلى أن قبول المعلّمين للمهمّات التي يصمّمها الطلبة باستخدام الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى تفاقم مشكلاتهم ويجعل إيجاد الحلول أكثر صعوبة.
يمكن أيضا ربط هذا الأمر بالتأثير البيئي المتزايد للتكنولوجيا، وضرورة حماية الطلبة من تفاقم التغيّر المناخي، وحثّهم على تعزيز الممارسات المستدامة في المدرسة وفي حياتهم اليومية. وتؤكد شانيا، بعد عامين على تجربتها، أن حرصها على ضمان تعبير الطلبة عن آرائهم قد ازداد، وأن ابتعادها عن أدوات الذكاء الاصطناعي جعلها أكثر وضوحا في اتباع نهج مختلف يقود الطلبة إلى المستقبل بأمان.
هذه الأفكار التي توصّلت إليها شانيا قد تجد من يعارضها، إذ إن كثيرا من الناس لا يخفون إعجابهم بأدوات الذكاء الاصطناعي ورغبتهم في الاعتماد عليها لما تتميّز به من سهولة وسرعة في إنجاز مهمّات كانت سابقا تتطلب جهدا ووقتا كبيرين، فضلا عن إنتاجها بمستوى احترافي يشبه تماما ما يتقنه البشر – هذا ناهيك عن كونها أدوات متاحة وقليلة التكاليف. ومع ذلك، فإن تجربة شانيا تصلح أن تكون بداية لوضع أسس رصينة وجادة تجعل توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في إطار منطقي لا يسلب الطلبة مهاراتهم، ولا يعلّمهم الاتكالية أو التخلي عن آرائهم الشخصية، بل يضع حدودا واضحة تضمن التوازن بين الاستفادة من التطورات التكنولوجية ومراعاة أهمية إكساب الطلبة مهارات الحياة المتنوعة.
وهذه البداية يمكن الانطلاق منها باتباع الخطوات الآتية:
- وضع قوانين تضبط توظيف هذه الأدوات، ويمكن الاستفادة، على سبيل المثال، من تجارب بعض الدول كالمملكة العربية السعودية التي أصدرت وزارتها للتربية والتعليم بالتعاون مع الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) دليل إرشادات الذكاء الاصطناعي بهدف المحافظة على جودة العملية التعليمية ومخرجاتها، وذلك بالإبقاء على الدور المحوري للمعلّمين والمعلّمات، ومراعاة النواحي الأخلاقية، وتوعية الأهالي وأولياء الأمور بالآثار المترتّبة على توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في التعليم.
- لا يكفي وضع القوانين مهما بلغت درجات جودتها، إذ يجب أن تترافق مع خطة تنفيذية تضمن التطبيق الدقيق لكل مرحلة، بالتزامن مع مراقبة متعدّدة الأطراف كي نحصل على النتائج المتوخاة.
- إطلاق حملة توعية تشمل أركان المجتمع المدرسي كلّه، وبيان الأخلاقيات المرتبطة باستخدام التكنولوجيا كافة، ورفع الوعي الرقمي باستخدام الأدوات الحديثة، وإطلاع أركان المجتمع المدرسي على القضايا التي تنشأ عن الاستخدام غير الصحيح لأدوات التكنولوجيا مثل قضايا السرقات الفكرية، أو الخداع والتضليل، وتنبيه الناشئة إلى مخاطر الاعتماد الزائد على هذه الأدوات.
- لا بأس من وضع قائمة بالمهمّات التي يُسمح باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في تنفيذها مثل التدقيق اللغوي أو الترجمة، وتلك التي يمنع فيها استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي مثل حل الواجبات.
- لأن التطبيقات تتطوّر باستمرار بسبب المنافسة الحادّة بين رواد التكنولوجيا وشركاتها، ولأن هناك مصالح مادية لا تعير اهتماما للجوانب الأخلاقية والمهنية، فإن النظم التعليمية تجد نفسها مضطرة لاستخدام تطبيقات تكشف الاستخدام غير المهني لأدوات التكنولوجيا، أو تدريب المعلّمين والمعلّمات على تصميم مهمّات لا يمكن تنفيذها باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي. وهذه المهمّات يجب أن تتّصف بحاجتها إلى التفكير الناقد والتحليل الشخصي للأفكار أو ربطها بالحياة الواقعية. وعند عرض هذه المهمات أو تقديمها، فإنها تقدَّم بطرائق تعتمد العرض الشفوي أو التحدث أو العرض الجماعي وتقاسم الأدوار.
- تزويد المعلّمين والمعلّمات بخصائص المهمّات التي تُقدَّم باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وأسلوب كتابة تلك الأدوات، وانخراطهم في دورات تبيّن الفروقات بين أساليب الطلبة وأساليب أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
- الدعوة باستمرار لبناء علاقة تصالحية تربوية مع تطبيقات أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي. ولكي أبدأ من نفسي أولًا، سأكون صادقا وأقول إنني لن أستطيع إلغاءها، فهي جزء أساسي من حياتنا. ولو سيطرنا عليها داخل المدرسة، فإننا لا نستطيع السيطرة عليها خارج أسوارها. لكن في الوقت نفسه لا أريد لها أن تحلّ محل الإنسان أو أن تجعل المعلّمين والمعلّمات يضعون تقييمات غير واقعية لأداء الطلبة، أو أن نجد أنفسنا أمام طلبة يتشابهون في أداء مهمّاتهم ويتساوون في الدرجات. لهذا كلّه فإن التصالح والتقنين قد يكونان طوق النجاة، وذلك بالسماح للطلبة بالاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في تنفيذ بعض المهمّات مثل تحسين الكتابة أو توسيعها، والحصول على بعض الأفكار المساعدة، أو الاستعانة به في مراجعة جودة المهمّات.
إن هذه الأفكار وهذا النقاش ليس ترفا، بل هو ضرورة أساسية وجوهرية في حياتنا اليومية ومستقبل أبنائنا وطلبتنا. فهو يساعدنا على تحديد ما نريده من الذكاء الاصطناعي وأدواته، وعلى رسم الدور المناط به في عملية التعلّم، والحدود التي ينبغي أن يقف عندها، كي لا نقع في فخ الاستخدام الضار فنلحق الأذى بأبنائنا من حيث أردنا نفعهم. كما تتجلّى أهميّته في التنشئة السويّة التي تُكسب طلبتنا قيم النزاهة واحترام حقوق الآخرين، وتجنّبهم الاتكال على المحتوى الجاهز دون بذل جهد في تحصيله.
*يعمل الدكتور محمّد في قطاع التعليم منذ العام 2004، إذ بدأ معلما وبات اليوم خبيرا في تدريب المعلمين، وتصميم البرامج التدريبية التي تقوم على التطبيق العملي للأفكار النظرية وفق خطوات واضحة وإجراءات محدّدة تعين المعلّمين والمعلّمات على سد الفجوة الكبيرة بين ما يواجهون من تحدّيات واقعية وما يسمعونه من حلول ومقترحات لمواجهتها.
يسعى الدكتور محمد الزعبي لتطوير أساليب تدريس اللغة العربيّة ويملك أفكارا نوعيّة لتعليم مهارات اللغة العربيّة بشكل يقوم على التفكير والمنطق والوظيفيّة، بحيث تصبح هذه المهارات أصيلة في لغة المتعلّم المحكيّة والمكتوبة.